الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
508
مختصر الامثل
ولكي تؤكد الآية الكريمة زيف وبطلان الدعوى المذكورة استطردت تقول : « بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مّمَّنْ خَلَقَ » . والقانون الإلهي عام ، فإن اللَّه « يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ » . وبالإضافة إلى ذلك فإنّ كل البشر هم من خلق اللَّه ، وهم عباده وأرقاؤه ، وعلى هذا الأساس ليس من المنطق إطلاق اسم « ابن اللَّه » على أي منهم ، حيث تقول الآية : « وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا » . وفي النهاية تعود المخلوقات كلها إلى اللَّه ، حيث تؤكد الآية هنا بقولها : « وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ » . يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 ) تكرر هذه الآية الخطاب إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، فتبيّن لهم أنّ النبي المرسل إليهم مرسل من عند اللَّه ، أرسله في عصر ظلت البشرية قبله فترة دون أن يكون لها نبيّ ، فبيّن لهم هذا النّبي الحقائق ، لكي لا يقولوا بعد هذا إنّ اللَّه لم يرسل إليهم من يهديهم إلى الصراط السوي ويبشرهم بلطف اللَّه ورحمته ويحذّرهم من الانحراف والاعوجاج ، وينذرهم بعذاب اللَّه ، حيث تقول الآية : « يَا أَهلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ » . « فترة » : تعني في الأصل الهدوء والسكينة كما تطلق على الفاصلة الزمنية بين حركتين أو جهدين أو نهضتين أو ثورتين . وقد شهدت الفاصلة الزمنية بين موسى وعيسى عليهما السلام عدداً من الأنبياء والرسل ، بينما لم يكن الأمر كذلك في الفاصلة الزمنية بين عيسى عليه السلام والنّبي محمّد صلى الله عليه وآله ولذلك أطلق القرآن الكريم على هذه الفاصلة الأخيرة اصطلاح « فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ » . والمعروف أنّ هذه الفترة دامت ستمائة عام تقريباً . وفي الختام تؤكد الآية على شمولية قدرة اللَّه عزّ وجلّ فتقول : « وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ » . وهذا بيان بأنّ إرسال الأنبياء والرسل وتعيين أوصيائهم أمر يسير بالنسبة لقدرة اللَّه العزيز المطلقة .